فصل: باب: الأنفال:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.كتاب قسم الفيء والغنيمة:

قال الشافعي رضي الله عنه: "أصل ما يقوم به الولاة من المال ثلاثة وجوه... إلى آخره".
7704- نقل المزني عن الشافعي رضي الله عنه حصراً في أقسام الأموال التي يأخذها الولاة ويرعَوْنها، وجعلها ثلاثة أقسام: الصدقات، والفيء، والغنيمة، فقال الأئمة: الأموال العامة التي يقوم الوالي بجمعها وجبايتها تنقسم إلى الأقسام التي ذكرها، وللإمام التصرف في أموال الملاك المتعينين وتلك الجهات زائدة على الأقسام التي نقل المزني حصرها عن الشافعي، وتصرف الوالي في المال الذي له مالك متعين يقع على ثلاثة أوجه: أحدها: التصرف بالولاية، وهو تصرفه في مال الصبيان والمجانين، والذين لم يُؤنس رشدُهم، فإذا لم يكن لهؤلاء أولياء، فالإمام وليهم، أو من يقوم مقامه من ولاة الإمام.
والوجه الثاني- من تصرفه أنه يأخذ الأموال من الممتنعين ويوفرها على مستحقها.
والوجه الثالث: تصرفه في أموال الغُيّب، وعلى الناظر توقفٌ في هذا القسم، فالمالك المطلق يفعل بماله ما يشاء على وفق الشرع، ولا يلزمه عمارة أملاكه، وحفظ أمواله، وله تعريضها للضياع، وإنما يحجر الشرع عليه في ذوات الأرواح لحرمتها لا لحق المالية منها، والوالي يتصرف بالولاية في مال الموْليّ عليه، على حكم النظر والغبطة، كما تفصل ذلك في الكتب، والسلطان لا يتصرف في أموال الغيّب بالغبطة المحضة، وإنما يتسلط على التصرف فيها بشيئين:
أحدهما: إذا أشرفت على الضَّياع، والثاني: إذا مست الحاجة إليها في استيداء حقوق ثبتت على الغائب، وهذا وإن ذكره أصحاب الإيالة، فهو ملتحق باستيفاء الحقوق من الممتنعين، ثم هذا مندرج تحت الولاية، فإن الغرض الأظهر منها درءُ الضرار، وكف الأذى والانتصاف للمظلومين، ثم في الضياع على المتأمل تفصيلٌ، فإن ظهر وامتدت الغيبة وعسرت المراجعة قبل وقوع الضياع، فيسوغ التصرف، كما سنفصله.
وإن أمكنت المراجعة، ولم ينقطع الخبر انقطاعاً يغلِّب على الظن اليأسَ من العَوْد قبل المستدرك، فلا يسوغ التصرف مطلقاً. أما التصرف عند ظهور الضياع واليأس من قرب العوْد، فيحوج إلى بيان الضَّياع، وذكرِ تفصيل التصرف.
7705- فأما الضياع فيقسّم إلى الهلاك بالكلية وإلى الاختلال. فأما الهلاك إذا خيف، فهو الضياع، وأما الاختلال فإن كان لا يتراقى إلى تلف المعظم، ولم يكن سارياً، فلم يعدّه معظم العلماء ضَياعاً؛ فإنه لو بيع مال الغائب لخيفة الاختلال، لالْتحق ذلك بابتناء البيع في مال الغائب على النظر المحض والمصلحة، وهذا ما لا يسوغ المصير إليه.
وإن كان يتلف معظم المال، فقد أُحلّ المعظم في هذا محل الكل.
وما ذكرناه في غير الحيوان، فأما الحيوان؛ فإنه يباع بتطرّق الاختلال إليه لحرمة الروح، وأيضاً؛ فإن ذلك يتداعى إلى الهلاك والحيوان يباع على مالكه في حضرته إذا كان لا يستقل بالإنفاق عليه.
هذا قولنا في الضياع.
7706- فأما التصرف، فإن أمكن تدارك الضَّياع بالإجارة، اكتفى القاضي بها، ولم يبع، وإن كان لا ينسدّ الضياع بالإجارة، فله أن يبيع على الشرائط التي قدمناها، فإن قيل: لِمَ يتسلط الوالي على بيع مال الغائب عند إشرافه على الضياع والغائب ليس موليّاً عليه، ولا حق عليه فيتأدّى من ماله الحاضر؟ قلنا: لا محمل لهذا من طريق المعنى إلا حملُ الأمر على العرف فيه، فإن الغُيَّب بقرائن أحوالهم لا يأبَوْن أن يَرعى حقوقَهم من يلي المسلمين، وينتصب وزَراً لهم، حتى لو فرض من المرء عند الغيبة نهيٌ عن البيع، وانتهى الأمر إلى الضَّياع، فلسنا نرى البيع جائزاً والحالة هذه.
وبالجملة ليس يخلو بيع الوالي من غير استحقاق حق على الغائب فيما لا يجوز بيعه عليه بحضرته عن خلاف العلماء الناظرين في الإيالات، ولم أر للفقهاء اعتناء بتفصيل ذلك، والمسألة على الاحتمال، والظاهر جواز البيع على الشرط الذي ذكرناه، وإجارة القاضي لأملاك الغُيّب في معنى بيع الأعيان المشرفة على الضّياع؛ فإن المنافع متعرضة للضياع على ممر الزمان، ولم يجترىء على إطلاق إجازة الإجارة في حق من لم تبعد غيبته أحد من العلماء فيما بلغنا.
ومما يتعلق بهذا القسم ملكٌ لا يتعين مالكه ويدُ الوالي تمتد إليه حفظاً، ولو أراد صرفه إلى جهة المصلحة، وقد تحقق وظهر اليأس من الاطلاع على مالكه، فهذا مما أطلق العلماء القولَ بجوازه، من غير اشتراط إشراف المال على الضياع، ونحن نجد نظير ذلك في اللقطة، وإن كان التعريف مشروطاً في تملكها، وذلك أنه لا يظهر اليأس من العثور على مالكها إلا بالتعريف، والذي ذكرناه في مالٍ ظهر اليأس من الاطلاع على مالكه.
فهذه جملٌ انتهت إليها تقاسيم الكلام في الأموال التي يتصرف الولاة فيها.
7707- وعاد بنا الكلام إلى مقصود الكتاب، وهو القول في قسمة الفيء والغنيمة فنقول أولاً:
اسم الفيء ينطلق في اللغة ووضع اللسان على الغنيمة انطلاقه على ما نظفر به من أموال الكفار من غير قتالٍ، غيرَ أن الفقهاء اصطلحوا على تمييز ما نصيب من أموالهم بالقتال عما نصيبه منها من غير قتال، فسمَّوْا ما نصيبه بالقتال غنيمة، وما نصيبه من غير قتال فيئاً.
وهذا الباب مضمونه ذكر تراجم في مصارف الغنيمة والفيء على الجملة، ثم القول في تفاصيلها، وأوصاف المستحقين، وأقدار ما يستحقون، يأتي مفصلاً في أبوابٍ.
فأما الغنيمة، فأربعة أخماسها للغانمين إذا أرادوها وطلبوها، ولم يُعرضوا عنها، والخمس منها يقسّم على خمسة أسهم بالسوية: سهم للمصالح العامة، وسهم لذوي القربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسهم للمساكين، وسهمٌ لليتامى، وسهم لأبناء السبيل.
7708- فأما الفيء، فليقع الكلام أولاً في صفته التي يتميز بها عن الغنيمة، قال جماهير الأصحاب: كل مالٍ أصبناه من كافر من غير قتال وإيجاف خيل وركاب فهو فيء، ويدخل تحت ذلك ما يتخلى الكفار عنه مرعوبين لاستشعارهم الخوف من غير أن نقيم عليهم قتالاً.
ومن جملة الفيء، ما يخلِّفه ذمّي وليس له وارث خاص.
ومنه الجزية، والخراج المضروب على حكم الجزية، ومنه مال المرتد إذا مات أو قتل مرتداً. هذا هو المذهب المشهور.
وذكر الشيخ أبو علي تفصيلاً نأتي به على وجهه، فقال: إذا همّ المسلمون بجرّ جيشٍ إلى بلاد الكفار، فتقاذف الخبر إليهم، فانجلَوْا وخلّوا أموالهم، فعثرنا عليها من غير قتال، قال: إن انجلوا قبل تجهيز الجيش وبروزه في صوب بلدتهم، فالذي تركوه وانكشفوا عنه فيء.
وإن تجهز الخيل وضربوا معسكرهم وبرزوا في تلقاء أولئك الكفار، فانجلَوْا بعد ذلك، ففي المسألة وجهان:
أحدهما: أن ذلك المال مغنوم، وهو كما لو التقى الصفان، فولَّوْنا ظهورهم، ومنحونا أكتافهم من غير شهر سلاح، فما خلفوه إذا ولَّوْا منهزمين مغنوم، كذلك ما انجَلَوْا عنه بعد تجهيز الجيش، كما وصفناه مغنوم.
وهذا وجه بعيد لا يوافق قاعدةَ المذهب، فالأصح إذاً أن الذي انجلَوْا عنه فيء، لأنا لم ننصب قتالاً، وقصْدُ القتال ليس بقتال، ولو فتحنا الباب الذي أشرنا إليه، لزمنا منه موافقة أبي حنيفة في أصولٍ اتفق الأصحاب على مخالفته فيها: أحدها أنه لو نفق فرسُ الغازي قبل أن يلقى قتالاً عليه، فمذهب أبي حنيفة أنه إن كان وطىء بلادَ الحرب، فله سهم فرسه وإن نفق. ونحن لا نرى ذلك أصلاً، ثم ما حكاه من الوجه البعيد لم يعتبر فيه أن ينجلي الكفار بعد دخول جند الإسلام دارَ الحرب، ولكن اكتفى بالتأهب والتجهيز والحصول في المعسكر المضروب في تلقاء الكفار، وحمل هذا على ما يلقاه الظاهرون من المؤن في تجهزهم، وهذا الوجه في نهاية الضعف. وإن قيل به، فالاقتصار على مجرد الظهور فيه بعدٌ أيضاً، ثم لا ضبط بعد ذلك، ولا وجه إلا إبطال هذا الوجه.
وقد ذكر صاحب التقريب هذا الخلاف أيضاً.
فهذا تصوير الفيء.
7709- ثم اختلف الأقوال في أربعة أخماس الفيء، فقال الشافعي في قول: إنها للمرتزقة خاصة، وهم الجنود المرتّبون للذب عن حَوْزة الدين، وهم أصحاب الديوان، كما سيأتي وصْفُهم، إن شاء الله تعالى. وهذا القائل يقول: كانت أربعة أخماس الفيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، فلما استأثر الله به-وكان صلى الله عليه وسلم وَزَراً للمسلمين- خَلَفَه شوكةُ الإسلام وجندُه.
هذا قولٌ ظاهر.
والقول الثاني- أن أربعة أخماس الفيء مصروف إلى المصالح العامة، ولكن الإمام يبدأ بالأصلح فالأصلح، والأهم فالأهم، وأهمُّ المصالح إقامة أمور المرتزقة وكفاية مؤنهم، وتفريغ قلوبهم، وهذا موضع التوطئة، والشرحُ بين أيدينا، إن شاء الله تعالى.
والقول الثالث للشافعي، نص عليه في القديم أنا نجعل الفيء خمسةَ أسهم: سهم منها للمصالح، والبداية بالأهم، كما وصفناه، وأربعة أسهم لذي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل، فتحصّل إذاً ثلاثة أقوال كما سردناها.
ثم المذهب الظاهر أن الفيء يخمّس، ومصروف خُمسه ما أشرنا إليه، وفي أربعة الأخماس قولان:
أحدهما: أنها ملك المرتزقة.
والثاني: أنها للمصالح، والقول القديم مهجور مرجوع عنه.
ثم إذا صححنا تخميس الفيء، طردنا هذا في كل ما يستفاد من كافرٍ من غير قتال، ويدخل تحته ما خلّفه الذِّمي الذي ليس له قريب خاص، ومال المرتد، والجزية، والخراج المأخوذ من أهل الجزية.
وذكر صاحب التقريب قولاً آخر: أن ما أخذناه من الفيء بإرعاب الكفار من غير لُقْيان قتال، فهو الفيء المخمّس، وما أصبناه من كافر من غير قتال ولا إرعاب، فلا يخمس أصلاً، ثم ظاهر ما ذكره أنا لا نخرِّج فيه تمليك المرتزقة على القول الظاهر؛ فإنهم أهل الإرعاب، فيكون الحاصل من غير إرعاب على هذا القول مصروفاً إلى ما يصرف إليه خمس الفيء الحاصل بالإرعاب.
هذا ظاهر كلام صاحب التقريب في تفريع هذا القول البعيد.
وذكر الشيخ أبو علي هذا القولَ، وذكره العراقيون أيضاً. ثم إذا فرعنا على ذلك، ففي الطرق تردد في الجزية؛ من جهة أن الكفار، وإن كانوا يبذلونها على طوعٍ، فسبب بذلهم لها استيلاءُ يد الإسلام عليهم، واستعلاء كلمة الله، فكانت الجزية حريةً أن تلتحق بالفيء الحاصل بالرعب.
هذا بيان الجمل التي أردنا تصدير الكتاب بها، لتحل محل التوطئة، والتراجم، مع العلم بأن التفاصيل محالةٌ على الأبواب الآتية، إن شاء الله عز وجل.
7710- ومما يذكر أيضاً أن الله تعالى قال في محكم كتابه: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41]. فقال فقهاؤنا: ما كان مضافاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو في يومنا هذا سهم المصالح، ولا فرق بين سهم الله وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما يرجعان إلى سهم واحدٍ.
هذا مذهب الشافعي.
وذهب بعض العلماء إلى أن ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، فهو مصروف إلى الإمام الأعظم؛ فإنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيخلفه فيما كان يأخذه صلى الله عليه وسلم.
والشافعي حكى هذا المذهب عن بعض السلف، وردّ عليه، ولم يصح أن الخلفاء الراشدين كانوا يأخذون سهمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومما يتعلق بالقرآن أن ظاهره يدل في الفيء على القول البعيد المنصوص عليه في القديم، وهو أن جملة الفيء مخمّس، ولكن هذا الظاهر مزالٌ باتفاق المعتبرين من العلماء، كما أن ظاهر القرآن أن الغانمين لا يختصون بالمغانم؛ فإنه عز من قائل قال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1]، ولكن قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} يدل على أن أربعة أخماس الغنيم للغانمين، فإنه ما استثنى من الغنيمة إلا الخمس، وأضاف الباقي إلى الغانمين، إذْ قال عز وجلّ: {غَنِمْتُمْ}.

.باب: الأنفال:

7711- أراد الشافعي رضي الله عنه بالأنفال الغنائم، وهي ما أصبناه بالقتال، وقاعدة الباب أن أربعة أخماسها للغانمين.
ثم صدّر الشافعيُّ الباب بأسلاب القتلى، فمذهب الشافعي أن المسلم إذا قتل كافراً في القتال، مقبلاً غيرَ مدبر؛ فإنه يستحق سلبَه، والأصل في ذلك الأخبار الصحيحة، والنصوص الصريحة، كما ذكرناها في مسائل الخلاف. ثم الكلام يقع في هذا الفصل على وجوهٍ:
منها- القول في السبب الذي يستحق به السلب، فنقول: سببُ استحقاق السلب قتلُ كافر مقبل على القتال إلى أن قُتل غيرَ منهزم ولا مدبر، فلو ولى الكفارُ وركب المسلمون أقفيتهم، فمن قتَل منهم منهزماً، لم يستحق سلبه، ولو ناوش مسلمٌ قِرناً من الكفار، وطفقا يقتتلان، ثم ولى الكافر بسبب بأس المسلم وبطشه، فاتّبعه وقتله، فظاهر المذهب أن ذلك سببٌ لاستحقاق السلب. هكذا ذكره الشيخ أبو علي.
وإنما المنهزم الذي لا يستحق قاتلُه سلبَه هو الذي لم يخض في القتال وولّى، فأما الخائض في القتال إذا كانت هزيمته بسبب تحامل قِرنه عليه فالذي هزمه إذا قتله استحق سلبَه.
وفي هذا تفصيل لابد منه، وهو أنه إن ولّى من قِرنه، فاتّبعه رجل غيرُ من كان يبارزه وقتله، فالظاهر أن هذا القاتل لا يستحق سلبه، وكذلك من هزمه لا يستحق سلبه الآن؛ إذْ قتله غيره.
والهزيمة هي مفارقة المعترك مع الاستمرار على الفرار، وأما التردد بين الميمنة والميسرة والقلب، فليس ذلك من الهزيمة، وسنصف الهزيمة وحكمَها في حق المسلمين، و كذلك نصوّر الهزيمة وحقيقتَها إذا فرضت من الكفار، إن شاء الله تعالى.
7712-ومن أسباب استحقاق السلب أن يثخن المسلمُ الكافرَ، ويُذهبَ بطشَه ومنعَتَه، فإذا فعل ذلك المسلمُ، استحق سلبَ ذلك الكافِر المثخن، فلو قتله قاتلٌ وقد أثخنه أولاً مثخنٌ، فالسلب للمثخِن، لم يختلف فيه علماؤنا؛ فإن المقصود إثخانه وإبطال بطشه، وقد حصل بالأول.
فإن قيل: أليس روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل قتيلاً فله سلبه» فعلق استحقاق السلب بالقتل؟ قلنا: هذا ينزل على غالب العرف، والغالب أن القاتل هو الجارح أو المذفِّف ابتداء، فاتجه تنزيل الخطاب عليه.
والدليل الخاص في ذلك ما روي أن شابَّين من الأنصار أثخنا أبا جهل يوم بدرٍ وقَطَراه من فرسه، ثم صادفه ابنُ مسعود مثخناً فجثم على صدره، فناطقه أبو جهل، وأجاب ابنُ مسعود، وطال تحاورهما، ثم احتزَّ ابنُ مسعود رأسه، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه الشابين، ولم يعط ابنَ مسعود منه شيئاً، فصار ذلك نصّاً، وحسن معه حمل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المعتاد، كما تقدم ذكره.
ولو قطع المسلم يدي قِرنه، وترك رجليه، أو قطع رجليه وترك يديه، فقد ذكر العراقيون اختلاف نصٍّ أن هذا هل يكون إثخاناً، وأن ذلك لو صدر من مسلم، ثم جاء مسلم آخر وأجهزه، فالسلب لمن؟ وأجْرَوْا القولين في ذلك:
أحدهما: أن السلب للأول؛ فإنه أزمنه وأبطل قوّته ومُنَّته.
والثاني: أن السلب للمجهِز، فإنه قد يبقى فيه بعد قطع اليدين قتالٌ بسبب رجليه، وقد يعْدُو، فيجلب الكفار على المسلمين. وإن بقيت يداه، فقد يبطش بهما.
وقد ذكر الشيخ أبو علي هذين القولين في الصورة التي ذكروها كما ذكروها، وزاد طريقةً أخرى، فقال: من أصحابنا من قال: ليست المسألة على قولين، بل هي على حالين، فحيث قال: السلب للثاني أراد بذلك إذا لم يسقط قتاله لقطع يديه أو رجليه، وحيث قال: السلب للأول أراد به إذا أزمنه بحيث لم يبق فيه قتال.
وهذه الطريقة هي الصحيحة التي لا يجوز غيرُها؛ فإن الإزمان يختلف باختلاف الأشخاص، فرب رجل ليس بالأيِّد البالغ في القوة وإذا قطعت منه يد واحدة ينزف دمه بذلك، ويصير مثخناً، لا حراك به، وسقوطُ القوّة على قدر بنية القلب وقوته وضعفه، ورب رجل ذي مِرّة لا تسقط قوته بقطع يديه.
ولا يتضح المقصود من هذا الفصل إلا بمزيدٍ، فنقول: الكافر إذا أصابته ضربة، فسقط، ولم يبق فيه بقية يدافع بها، ولكن لو ترك، لثابت إليه نفسُه وآبت إليه مُنّته، ولكنه في الحال لا يبطش، ولا يُغنى غناءً، فالذي أراه أن هذا ليس بإثخان؛ فإنه لو ترك، لعاد كما كان حَنِقاً متغيظاً.
ولو جرح الكافر جرحاً لم يمنعه من القتال في الحال، ولكنا علمنا أنه لو ترك لأهلكته الجراحات بعد أيام، فهو في الحال ليس بمثخن.
7713- ومما يتعلق بهذا الفصل أن المسلم إذا أسَر واحداً من الكفار وجاء به مأسوراً، فالظاهر أن ما عليه مِن سلبٍ لآسره؛ فإن إثبات اليد القاهرة عليه تحل محل الإثخان، فإن حكم يد الإسلام على الأسرى يُبتنى على استمرار الأسر.
هذا قولنا فيما كان معه، فلو أرقّه صاحبُ الأمر، ففي ملك رقبته كلامٌ سأذكره في الفصل الثاني.
7714-وهذا تفصيل القول في السلب، فأقول: كل ما يتصل بالكافر القتيل من سلاح أو جُنّة يُدرأ بها السلاح، فهو من سَلَبه، يُصرَف إلى قاتله، وسيفُه ورُمحه، وما تبعه من أسلحته ودابّته التي هي عتادُه الاكبر، كل ذلك سلَبُه، وثيابُ بدنه التي هو لابسها من سلبه؛ فإنها متصلة به، وهو حاملها، ويمكن إلحاقها بالجُنن؛ فإن لكل ملبوس وإن رقّ وخفَّ أثراً في الدفع، وإن لم نُحسّ أثره في الدفع، فالثياب الخشنة الدافعة لو باشرت البشرة، أضرّت به، والقُمُص تحتها تهوّن محملها، فالقول الضابط في ذلك: أن كل ما اجتمع فيه الحمل، وكونه سلاحاً أو جُنة، فكونه سلباً لا شك فيه.
والسلاح الذي يحمله الفرس كالسلاح الذي يحمله الفارس، فالسيف تحت الركاب، كالسيف الذي يتقلده الفارس، والرمح الذي يعتقله ويتأبطه كالرمح المنصوب على الفرس.
7715- وإن كان على وسط الكافر هميان فيه شيء، ففي المسألة وجهان مشهوران:
أحدهما: أنه من السلَب؛ لأن الكافرَ حامله.
والثاني: أنه ليس من السلب، بل هو مغنم مشترك، لأنه ليس سلاحاً ولا جُنّة، وليس آلةً للقتال، ولا عُدّة للدفع، وليس من الملبوسات أيضاً.
واختلف أئمتنا في أن الكافر لو كان على فرسٍ، وكان يُجنب آخر كالجنيبة هل تعد من السلب؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها ليست من السَّلَب؛ لأنها ليست متصلة بالكافر اتصالاً يتأتى الاستعمالُ به، فكانت الجنيبة بمثابة الصبي والرَّحْل الذي يكون مع الكافر.
والثاني أنها من السلب؛ فإن الجنيبة مع الفرس المركوب بمثابة سيفٍ تحت الركاب، وآخرَ متقلدٍ، والعادة جارية بالاستظهار بالجنايب، وأجرى الأصحاب الوجهين في الهميان والجَنيبة مجرى واحداً؛ فإن في الهميان صورة الاتصال والحمل، وإن لم يكن من الجُنَن والأسلحة، وفي الجنيبة حكم الأعتاد على الاعتياد، وإن لم يكن متصلاً بالفارس في الحال، فاعتدلا من هذا الوجه.
7716- وظهر خلاف أصحابنا في الخاتم؛ لأنه ليس جُنّة، ولا آلة دفع، لكنه ملبوس محمول، فكان من وجهٍ كالهميان لاتصاله، وكان من وجه أخص بالكافر لأنه ملبوس يعتاد لبسه، واحتمال الهميان مما يندر جريانه، وقد يفرضُ الهميان دافعاً إذا كان فيه شيء، فإنه يدفع الأسلحة ويقي الموضع المستورَ به.
ولو كان على الكافر طوْقٌ من ذهب أو فضة، فإن كان قد يستعمل مثله وقاية للرقبة، فهو من الأسلحة، ولا نظر إلى الجنس، فإن المِغفر من الحديد من السلب، فلو كان من أحد التبرين، فهو من السلب أيضاً، وإن كان ذلك الطوق لا يستعمل إلا زينةً، فقد ذكر العراقيون فيه وجهين وقربوهما من الخلاف في الخاتم وهذا ليس على وجهه؛ فإن الطوق لابد وأن يكون واقياً لما يستره، وأثره في الوقاية بيِّنٌ، لا حاجة إلى تقريره.
7717- ولو كان الكافر يقاتل راجلاً، وهو مستمسك بفرسه، فالفرس من سلبه.
هكذا قال الأصحاب، ولا يمتنع عندنا إذا تُصوّر ذلك أن نجعل ذلك الفرسَ كالجنيبة، ويظهر الفرق من جهة أن الفارس في حكم المستغني في حاله عن الجنيبة بالفرس الذي هو مركوبه والمترجل المستمسك بالفرس ليس مستغنياً بشيء من جنس الفرس.
ولو كان معه غلامٌ، فليس من السلب، ولو كان الغلام حاملاً سلاحه يناوله متى شاء، فيجوز أن يقال ذلك السلاح بمثابة الفرس المجنوب، ويجوز أن يقال: لا يكون ذلك السلاح من السلب، وإذا جعلنا الجنيبة سلباً، ففي السلاح الذي على الجنيبة ترددٌ ظاهر.
7718- والفرس الذي هو راكبه مع ما عليه من سرج ومركب كله من السلب فيما قطع به الأئمة المراوزة.
وكان شيخي يقطع بأن المِنْطقة من السلب وجهاً واحداً، وذكر العراقيون في المِنطقة خلافاً، وهذا بعيد، ثم يليق بهم أن يلحقوا مركب الفرس بالمنطقة، ويجوز أن يفصِّلوا ويقولوا: لا يتأتى استعمال الفرس دون المركب؛ فهو مما لابد منه، بخلاف المِنطقة ويتجه على قياسهم أن يلحقوا ما لا يُحتاج إليه من المركب بالمِنطقة، كالغُّرة من اللجام، وأحذ اللببين، والكفاية حاصلة بواحدة، وكذلك ما يتعلق بالزينة كالأطراف المفضّضة من المعاليق ونحوها.
وكل هذا خروج عن الأصل المعتبر، والوجه أن تعد جملة ملابس الفارس وملابس فرسه كيف فرض الأمر فيها من السلَب.
7719- ولو قيل: هلا قلتم: السلبُ كلّ ما يسلب من الكافر، مما لا يتأتى سلبه إلا بقتله أو إثخانه؛ فإن السّلَب من السَّلْب؟ قلنا: لا يطرد هذا مع قطع الأصحاب بأن الكافر لو كان على فرسه عَيْبةٌ فيها ثياب ونفقة، أو على الجنيبة عيبة، فالعيبة بما فيها مغنم مشترك، وليس من السلب؛ فإنه ليس سلاحاً، ولا ملبوساً، فإذا كان هذا قولنا في العيبة فمخيَّمه وما فيه من رحله مغنمٌ لا شك فيه.
7720- ولو كان معه فرسان يجنبهما، فالخلاف في واحد منهما؛ فإنا لو جعلنا الفرسين المجنوبين سلَباً، التزمنا ذلك في الثلاثة والأربعة فصاعداً، وإن كان يُسند الأمر في هذا إلى العادة، فليس وراء الجنيبة الواحدة عادة بها اعتبار، وإذا كان كذلك ووقع التفريع على أن السلب إحدى الجنيبين، فكيف سبيل التعيين؟
وما الوجه؟ هذا مشكلٌ محتمل، والغرض قد يتفاوت بتفاوت الفرسين. هذا مقامٌ قد يخطر للفقيه فيه القرعة؛ فإن الفرس الذي تخرج القرعة عليه وإن شرف قدرُه لو صور وحده، لأخذه سلباً، فلا يظهر مع هذا تفاوت القيم.
ويجوز أن يقال: هذا إلى الوالي، وصاحب الرأي أَخْذاً من مِلْكه التنفيل، كما سنذكره بعد هذا، ثم لا يقع تنفيل الإمام على حسب الوفاق، ولكنه ينظر إلى الحال والشخص، والغَنَاء، وكذلك يرى رأيه في تعيين الفرس، ويبني الأمر على مقتضى الاجتهاد. وهذا أوْجه من القرعة.
وقد يخطر للفقيه تخيير القاتل؛ فإن مبنى استحقاقه السلبَ على الاختصاص لما أبلاه من البلاء وأبداه من الغَناء، فلا يبعد أن يستحق السلبَ المتعيَّنَ وتعيينَ السلب.
وما ذكرناه من تخصيص الخلاف بالجنيبة الواحدة، وقد يتحامل المصور، فيفرض جنيبين، وهذا يعتضد تصويره باعتياد جُندٍ من الكفار ذلك، والدورانُ على العادة في محل الوفاق والخلاف.
ثم لا بدّ-وإن قدَّرنا خلافاً في الجنيبين- من الرجوع إلى العادة، ثم يُفضي الأمر إلى الإشكال الذي ذكرناه.
وإذا زاد العدد على العادة، والفارس إن احتمل من السلاح أكثر من العادة، فالزائد على العادة محمول وليس سلاحاً مستعملاً، وهو يقرب من الهميان، كما تقدم، ثم يؤول الكلام إن جعلنا البعض سلباً إلى التعيين وفيه التفصيل المقدم.
7721- ومما يتعلق بهذا الفصل أن من أسر كافراً، فأرقّه الإمام، ففي رقبته وجهان مشهوران: أوجههما- أنها لآسره؛ فإن رقبته أخص من سلاحه وثيابه.
ومن أصحابنا من قال: رقبتُه مغنمٌ؛ فإن الرق جرى فيه بعد الأسر.
ومما يتعلق بهذا أن الإمام لو رأى قتلَ الأسير، فلا معترض عليه، وليس للآسر أن يحتكم على صاحب الأمر بالإرقاق، ولا يغرم الإمام شيئاً للآسر، وإن قلنا: لو أرقه، لكان الملك في الرقبة للآسر؛ لأن قتل الإمام على حكم الاستصواب نازلٌ منزلة قتل الواحد من المسلمين قِرنه، فإنّ قتله واقع بحق، فليفهم الناظر ذلك.
وكذلك لو منَّ عليه، فلا معترض، ولا غرم.
ولو فاداه، فله المفاداة، ثم المال المأخوذ من مفاداته فيه احتمال على الخلاف المذكور في رقبته إذا أرقّه الإمام، والأظهر أنه ليس للآسر مالُ المفاداة؛ فإنه ليس سلباً، ولا هو عين المأسور. والله أعلم.
هذا تمام القول فيما يُعدّ من السلب، ويلتحق به، وفيما يخرج منه.
7722- ومما يتعلق بالسلب القولُ في صفة السالب القاتل: اختلف أئمتنا في أن من ليس من أهل السهم وكان من أهل الرضخ، كالصبيان والنسوان والعبيد إذا جرى منهم قتلٌ، فهل يتعلق به استحقاق السلب؟ فمنهم من قال: يتعلق به استحقاق السلب؛ تعلقاً بظاهر قوله عليه السلام: «من قتل قتيلاً، فله سلبه».
ومنهم من قال: لا يستحق السلب إلا مَن هو من أهل استحقاق السهم في المغنم؛ فإن السلب واستحقاقه يتعلقان بكمالٍ في حال من هو من أهل القتال، فإذا قصر الشخص عن استحقاق السهم، كان بأن يقصر عن استحقاق السلب أولى.
وقد يعترض ها هنا احتمال في الطرف الآخر، وهو أن المسلم لو قتل صبياً من الكفار مراهقاً كان يقاتل، أو امرأة كانت تقاتل، ففي استحقاق سلبه احتمال؛ فإنه ليس من أهل القتال.
ولو قتل عبداً منهم، استحق سلبه بلا خلاف؛ فإن ما يَلْقى من قتل عبد مثل ما يَلْقى من قتل حر، فإن عورضنا في هذا بأن قتال العبد منا كقتال الحر، قلنا: هو كذلك، ولكن الشرع لم يعلق به السهم، فترددنا في السلب.
7723- ومما يتعلق بالسلب، وهو تمامه وختامه، القول في أن السلب هل يخمس ومن أين يؤخذ؟ وقد اختلف أصحابنا في ذلك، فقال قائلون: لا يخمس السلب، بل تُنحَّى أسلاب القتلى، ويُقضى بفوز القاتلين بها. هذا ظاهر الأخبار الدالة على اختصاص القاتلين بأسلاب القتلى، وأيضاً إذا كان يختص القاتل بالسلب عن الغانمين، جاز أن يختص به عن أصحاب الخمس.
والوجه الثاني- أن السلب يخمّس؛ فإن اختصاص القاتل بسلب القتيل كاختصاص الغانمين بالمغنم، فالقاتل في السلب كأنه الجُنْد كله فيه، ثم الخمس زاحم حقوقَ الغانمين، وكان يليق بطريق الرأي ألا يثبت الخمس إلا في الفيء، فلما لم يكن كذلك، دلّ على أن الخمس يتعلق بكل مغنوم.
فصل:
قال: "والنفل من وجهٍ آخر، نفَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غنيمةٍ... إلى آخره".
7724- معنى الفصل أن الإمام لو رأى أن يحرّض سرية من السرايا على اقتحام مخاوف، نفّلهم مقداراً مما يأخذون على خلاف ما يقتضيه اعتدال القسمة، مثل أن يقول لسريةٍ رأى اقتطاعَها عن كُثْر الجند: نفّلتكم الربعَ، بحيث لا يخمس عليكم، هذا جائز للإمام. ذكر الشافعي البدْأةَ والرجعة، والمراد بالتنفل في البدأة أن يخصص سريةً تَقْدُم الجندَ وتُوغِل في العدو مبتدئة، هذا هو البدأة.
والرجعة أن تنجرّ الراية وكُثْرُ الجُند متوجهةً إلى بلاد الإسلام، فيقتطع الإمام سريةً ويكلفُهم أن يرجعوا على أدراجهم، ويغتالوا طائفةً من الكفار، أو يهجموا على قلعة، أو يرجعوا لغرضٍ سوى ما ذكرناه، وهذا يشتدُّ عليهم، وهو الرجعة، ثم التنفيل في البدأة من وجهٍ قد يكون أقلّ؛ فإن السرية لم تلق بعدُ قتالاً، والجند من ورائهم، وهم فئتُهم ووزرُهم.
وإذا كُلِّفوا الرجعة وقد عضّهم السلاح وفشا فيهم الجراح، والجند مشرِّقٌ، وهم مغرّبون، فهذا يكون أشقَّ عليهم.
وقد يكون الأمر على العكس، بأن نقدّر الكفار على أُهَبهم في الابتداء، فيعظم مصادمتُهم، ويقدّرون مفلولين في الانتهاء، فتسهل الكرة عليهم.
والنظر في ذلك إلى الإمام، والأحوالُ على التباسٍ، فإن رأى التسوية بين التنفيل في البدأة والتنفيل في الرجعة، سوى بينهما، وإن رأى أن يجعلهما متفاوتين، فلا معترض عليه، ثم له أن يجعل ما في البدأة أكثر مما في الرجعة، وله عكس ذلك، والسبب فيه أنه لم يَرد في ذلك توقيف شرعي، نقف عنده؛ فكان الأمر مفوضاً إلى الرأي والاجتهاد. ولو صح في بعض الآثار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفَّل على قدرٍ في البدأة والرجعة، فليس ذلك-إن صح- تقديراً، وإنما هو حكم الوفاق.
ثم لا يحتكم صاحب الأمر بهذا؛ فإنّ التحكم بالتفضيل في المال، والحرمان منه غيرُ سائغ، والمال إذا تعلق الأمر فيه بالزيادة والنقصان، والأثرة والحرمان خطر في الاجتهاد.
7725- ثم إذا تبين جواز التفضيل في التنفيل، فقد اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قال: إذا خصص الإمام قوماً بشيء، فنجبر ذلك النقصانَ للجند، ويكون جبران النقصان من خمس الخمس المرصد المصالح، وهؤلاء يرون هذا الجبران حتماً، وحكماً متبعاً لا يُتعدى، ثم يردّون الأمر إلى اختيار الإمام من وجهٍ، ويقولون: إن شاء الإمام-وقد نفّلَهم الربعَ، أو ما رأى- جاء بهذا القدر من سهم المصالح، ولم يخصص المتنفِّلين المفضلين بأعيان ما أَتوْا به، وإن أحب، فضّلهم بذلك القدر من أعيان ما أصابوه، ثم غرم لباقي الجند مقدارَ التفضيل من سهم المصالح، وهذا القدر لا معترض فيه.
هذا قولنا.
ومن أصحابنا من ذكر قولاً آخر: إن التفضيل في التنفيل جائزٌ للإمام، من غير أن يجبر ذلك النقصان لكُثْر الجند، فيخصص على حسب النظر في التنفيل، ثم لا يحتسب ذلك عليهم، بل يفوزون به فوْز القاتلين بأسلاب قتلاهم من غير جبران.
وهذا القائل يقول: لا يخفى مسيس الحاجة إلى مثل ذلك في سياسة الحروب، وقد ورد فيه التفضيل في التنفيل، ولم يرد جبران النقصان، فإذا وجدنا التنفيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وألفيناه موافقاً لوجه الرأي، اتخذناه إمامَنا.
هذا قولنا في تنفيل السرية في البدأة والرجعة.
7726- ومن أسرار المذهب في هذا أن الإمام لو لم يتعرض لهذا عند انبعاث السرية، ولكنهم لما أصابوا ما أصابوا أراد أن يخصصهم تفضيلاً وتنفيلاً ببعض ما أصابوه، فظاهر كلام الأصحاب أن هذا ممتنع بعد الإصابة والإحراز، وإنما يسوغ التفضيل والتنفيل قبل إصابة المغنم.
وسبب هذا أنهم إنما يُفضَّلون ليحرصوا على الامتداد في الصوب الذي يراه الإمام.
ثم القول في ذلك معتضدٌ بالخبر، وهو وارد في اشتراط التفضيل عند ابتداء البعث.
فهذا ما وجدناه، ويتأيد ما ذكرناه بطرفٍ من المعنى؛ فإنهم إذا أحرزوا والجندُ وزرُهم ومرجعُهم، والغوث قريب منهم، فقد تعلق حق الجميع بما حصّلوه، فالتخصيص بعد تعلق حق الكافة مخالف للتفضيل والتنفيل قبل التحصيل.
7727- ومما اختلف الأصحاب فيه أن الإمام لو رأى في مصلحة القتال أن يقول للأبطال، أو الجند عامة: من أخذ مالاً، فهو له لا يزاحَم فيه، فهل يجوز ذلك؟
فعلى وجهين ذكرهما العراقيون:
أحدهما: لا يجوز؛ فإن هذا تخصيص مخالفٌ لوضع الشرع في تعديل القسمة، ولم يرد فيه ثَبَت.
ومِنْ أصحابنا من جوز هذا؛ بناء على التفضيل في التنفيل في البدأة والرجعة، وهو متَّجِه في طريق الإيالة، وله نظير في مورد الشرع، وهو اختصاص القاتلين بالأسلاب.
ومن قال بالأول، انفصل عن هذا بأن قال: التخصيص بالسلب سببه بيّن؛ فإن نهاية البلاء الحسن والغَناء قتلُ الكفار، فأما الاشتغال بأخذ الأموال في حال قيام القتال، فمن الأسباب الحائدة عن وجه الرأي، ومن أعظم المكائد في الحروب أن يخلِّي الكفارُ الأموالَ على رجالنا حتى ينكبّوا على التنافس فيها، ثم إنهم يعكرُون عكْرةً، ويرون ذلك خداعاً وغِرّة، هذا بيّن ظاهر في غالب الأمر.
ثم إن لم نجوّز ما ذكرناه، فلا كلام، وإن جوزناه، فهو بمثابة التنفيل الذي سبق شرحه، ويؤول الخلاف في وجوب الجبران من خمس الخمس، كما تقدم في ابتداء الفصل.
وإذا حيزت الغنائم، فمقتضى كلام الأصحاب أن التفضيل بعد حيازة المغانم غيرُ سائغ، وإنما هذا التردد قبل الحيازة. والله أعلم.
هذا منتهى القول في ذلك.
7728- ولو مست الحاجة إلى ترجّل الفرسان، وكان يشتد القتال على الرّجّالة، ويهون على الفرسان، فأراد الإمام-والحالة هذه- أن يسوّي بين الرجّالة والفرسان، أو أراد تفضيل الرّجالة على حسب الرأي، فهذا لا مساغ له؛ فإنه هجوم على مخالفة الوضع في القسمة من غير تعلّقٍ بمستند من توقيفِ الشارع، وقد أجمع علماؤنا على أن تفضيل الفرسان على الرجّالة من التوقيفات المتبعة، وليست محمولةً على وجه الاستصواب، وهو بمثابة ما لو خصص الإمام بمزيد في المغنم الذين يباشرون القتال، وهذا لا يجوز، وما ذكرناه من تخصيصه كلَّ من يأخذ بما يأخذ على بُعده مشبه بالسلب، فإذا لم نجد معتصماً شرعياً، فلا سبيل إلى تسليط وجوه التأتي على تغيير وضع الشرع في تعديل القسمة.
7729- ومما يتعلق بالفصل أنه لو جعل للسرية المبعوثة كلَّ ما غنمت وأصابت، فهذا مما تردد الأصحاب فيه، من جهة مخالفته للأثر والتوقيف، وإفضائه إلى الميل بالكلية عن تعديل القسمة.
وما ذكرناه حقه أن يُرتب على ما لو قال: من أخذ شيئاً، فهو له؛ فإن التنفيل في البدأة والرجعة في جميع ما أصابه المبعوثون أمثل من إطلاق القول بأن كل من أصاب شيئاً، فهو له.
وقد تمهد في مسلك المذهب أنا لا نحكِّم وجهَ الرأي في جميع المسائل، ولكن إن وجدنا في التنفيل أصلاً في التوقيف، اتبعناه، ثم تصرّفنا قليلاً في المقدار، فإن لم نجد أصلاً في التوقيف، ولم يستدّ لنا قياس شبهي، وجب اتباع القواعد في تعديل القسمة، وامتنع التفضيلُ وإن وافق الرأيَ.
وإن وجدنا قياساً شبهياً كما ذكرناه في تشبيه ما يصيب كل رجل بالسلب، فهو على التردد، والزيادة على الربع والثلث مأخوذة من مسألة إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه لكونه في معناه، كإلحاقنا الأمة بالعبد في قوله صلى الله عليه وسلم: «من أعتق شركاً له في عبدٍ قُوِّم عليه» وإذا وقع التنفيل في مقدار النصف، فهو مقطوع به جوازاً، وإن وقع في معظم ما يصيبه المبعوثون، فيحتمل تخريجه على الخلاف، وتنزيله منزلة ما لو خصصهم بجميع ما يصيبونه، ثم حيث جوزنا التفضيل، ففي وجوب الجبران من سهم المصالح ما قد تمهد من الخلاف.
هذا منتهى القول في ذلك.